أرشيف ‘مقالات ماسية’ التصنيف

ربما..دعاء من أجل عائشة!

سبتمبر 29, 2008

ربما لأنها قضية تنضح بالألم والرجاء..

ربما لأنها تحتاج الكثير من الدعاء..أضعها هنا..مع أن الكثيرين منكم يقرأها في مصدرها..

لكن من لم يقرأها هناك..يقرأها هنا..ويدعو وتضرع الى الله لأجل أن  تشفى عائشة..

لأجل أن لاتتعرّى عواطفنا وتتجمد فتموت من أجل الماديات..

هنا فقط من أجل الدعاء لعائشة في كل صلاة وقيام..

لن أسامحَ نفسي يا عائشة

نجيب الزامل  -  29/09/1429هـ
najeeb@sahara.com

.. لقد حرتُ طويلا، وسهرتُ كثيراً في الأيام الماضية، ومريضةٌ سعودية في تايلاند معلقة بين برزخ الحياةِ والموت..
تهشمت أعصابي وبداخل رأسي يضج صوتُ أخيها سلمان الخالدي: “أختي تموت، وقد تكون أنت سبباً في نجاتِها، أو في موتِها، إن تـُركِت بلا علاج، وعلاجُها موجودٌ في ألمانيا والولايات المتحدة”، يهاتفني باكياً متضرِّعاً راجيا، وكأن بيدي القرار.. ولكنه يتعلق بقشةٍ، وعلى القشةِ أن تنقذ الغريقَ حتى وهي تدرك ضعفـَها وقلة حيلتِها وصغرَ قدرها..
والحقيقة المريعة أن “عائشة الخالدي” تصارع من أجل حياتها، والمرضُ (مرض الرحمة) يتعدى أماكنـَه الأصلية في أعضائِها، ليمتد إلى الجلدِ وباقي الجسد، وأهلـُها الذين خسروا – كما قال أخوها – الملايين من جيوبهم ومن قروض من كل مكان جفـّوا تماما، من المال، ومن الدموع، ولم يبقَ إلا الدعاءُ، وأن يصل رجاؤهم الوحيد الآن في هذه الحياة إلى قلبِ المسؤول الأول في وزارةِ الصحة، والهيئات والمكاتب الصحية في الخارج، لتـُرْسَل عائشة حالا إلى ألمانيا أو الولايات المتحدة..
أرسل لي سلمان موافقة من الملك عبد الله، وتأكيداتٍ من مكاتب الصحة ذاتها بأن لا علاج لها في المملكة. وقمتُ باتصالاتٍ من جانبي، وفهمتُ من مسؤول بالصحة أن العلاجَ المتوافر في الخارج هو علاجٌ تحت التجربة، وأن العلاجَ الذي تتلقاه عائشة في تايلاند موجودٌ في المملكة. ولكن سلمان يرسل أوراقا تثبت غير الكلام، ورسالة إلكترونية من مركزٍ علاجي أمريكي يؤكد وجود العلاج، ويطالب بإيداع ضمانٍ مالي أو تحويل من المكتب الصحي السعودي بواشنطن..
سلمان يصرخ، ويبكي، ويقول: “حياة أختي بأعناقِكم..”
لم يبق لعائشة إلا مدة قليلة في هذه الحياة، ألا نفعل شيئا؟ هل نتركها تموت ونحن ننظر؟ هل الأوراق التي أكدّت ضرورة إرسالها كـُتِبت في ليلةٍ بلا ضوء؟ هل نحن حراسٌ على المال، أم حرّاس على المرضى في وزارةِ الصحة؟ هل نعشـِّم الناسَ بأغلى ما يكون، ثم نتخلى عن وعودنا كمن يخلع ثوبَ الأمس؟ هل تحجـّرت حواسـُّنا فلا نكترثُ لأن المرضى وأهلهم حبالٌ رهيفة من الأعصابِ ونسيجٌ هشٌّ من العواطفِ، وعلينا أن نحميها ونقدّرها؟
من نحن بالضبط؟ من الموظف بالضبط؟ هل الموظفُ يخدم الناسَ، أم يقف حارساً متمترساً يستعرض مدى سلطتِه وجبروتِه؟
ثم هذه “اللا”، وهذا الرفضُ، ألا يأتي رقيقاً؟ ألا يتصدقون على من يرون الموتَ يغمز شوكتـَه في عيونِهم وقلوبـِهم ووجودِهم بكلمةٍ هانئةٍ، ويطيبون خواطرَهم، ماذا صرنا؟ ولأي مخلوقاتٍ تحولنا؟ هل ازدراءُ الرحمةِ، والمروق بين القوانين، ودهس الوعود صار ديـْدَنا، ونصّا في نظام كبقرةٍ مقدسة؟ ولكني أؤمن باللهِ العظيم، وأؤمن أن اللهَ لن يتخلى عن عائشة ولن تـُعدَم القلوبُ الرحيمة المؤتمـَنة على حياة الناس – قبل الأموال – في وزارةِ الصحة..
وهنا بعض ما كتب لي سلمان، شقيقُ المريضةِ عائشة الخالدي، وبقية الوثائق أرسلت للجريدة:
“الأستاذ / نجيب الزامل
نلجأ إليك بعد الله، وكلنا ثقة بإنسانيتكم .
شقيقتي عائشة بنت سالم الخالدي أصيبت بالمرض الخبيث، منذ أكثر من سنتين وعولجت في مستشفيات داخل السعودية ومنها مستشفى أرامكو السعودية ومستشفى سعد الطبي وجميعهم أفادوا بأن حالتها حرجة ولا يمكن علاجها، ونصحونا من مروا بنفس التجربة أن نأخذها إلى مستشفى (بمرنقراد بتايلاند ) والحمد لله بدأ التحسن يلاحظ على شقيقتي، ولكون تكلفة العلاج باهظة تقدمنا إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله، يحفظه الله، وأمَرَ بتحمل كافة مصاريف العلاج. وبعد ثلاثة شهور فوجئنا بتوقف العلاج، وبعد مراجعتنا لمدير الهيئات الطبية والمكاتب الصحية بالخارج أفادنا أنه لا توجد ميزانية لتكملة العلاج ومتى ما زودنا بالمبالغ المطلوبة سوف ينظر في الموضوع، وننصحكم بتكملة علاجها في السعودية لأن علاجها متوافر. وبناء على ذلك، أرسلت التقارير إلى مركز الملك فهد التخصصي في الدمام لعلاجها، وبعد مراجعات دامت أكثر من أربعة أشهر أفاد مستشفى الملك فهد التخصصي في الدمام ومدير الهيئة الطبية في الدمام أنه لا يوجد لها علاج في المملكة ولا جدوى من رجوعها من تايلاند والعلاج غير متوافر، ولا علاج لها إلا في ألمانيا أو أمريكا حسب تقريرهم. ولكن إدارة الهيئات الطبية والمكاتب الصحية في الخارج في الوزارة تبنت موقفاً سلبيا معارضا مع كل ما صار، علماً بأن تكاليف علاجها، وأكثرها ديون، وصلت إلى الآن تسعة ملايين ريال. فأرجو من الله ثم منكم إعادة البسمة لوجوهنا وأن تكون سببا في شفائها ويجزاكم الله خير الجزاء فقد أقفلت جميع الأبوابِ في وجوهنا.
مقدمه/ سلمان بن سالم الخالدي”

لو قدر اللهُ الموتَ لعائشة والدواء موجودٌ في الخارج فعلا، فلن أسامح أنا نفسي أني ضمن مجتمع سمح للتصخر العاطفي، أو حراسة عنيدة للمال، أن يكون أغلى مِن أنفـَس ما خلق الله على الأرض: حياةُ إنسان.
لن أسامح نفسي.. أبدا!

**

نسألك اللهم بقلوب صادقة..بألسنٍ لاتلهج إلا بذكرك..بأرواح لاترجو الا غمار رحمتك..

اللهم يسّر أمرها..وأسبغ عليها ثوب الصحة والعافية..آمين يارب العالمين.

أجل..عامٌ على الرحيل!

سبتمبر 27, 2008

أتذكرون ناجي؟

ذلك الشاب الصغير الذي لم يكن يستطع المشي ولا الكلام..وفي ساعاته الأخيرة وهو يتجه صوب الله..سطّر كلماته الأخيرة للأستاذ نجيب الزامل..تلك الكلمات طافت العالم..وأبكت القلوب حتى ما قسى منها..وأشعرتهم بتقصيرهم نحو من هم نورٌ يمشي على الأرض..(هنا القصة..وهنا..وهنا أيضاً)..حيث تجلت كلمات  المرحوم ناجي..

تعود هذه الأيام ذكرى رحيله المؤلم الأول..ويكتب عنه ذاك الإنسان مجدداً..

ناجي: بعدَ عامٍ من رحيلِك

نجيب الزامل  -  27/09/1429هـ
najeeb@sahara.com

.. كنت عازما الكتابة عن “ناجي الأحمد” العبقري الصغير المشلول الأخرس الذي كتب لي رسالتـَه الأخيرة وهو يحتضر، تلك الرسالة التي هزت البلادَ والعالمَ العربي، وصارت له المراكز والأندية، وطار خطابه لي بأرجاء الأرض.. حتى وصلتني هذه الرسالة فكانت أقوى وأبلغ وأشد تأثيرا، وهي هديتي الرمضانية السماوية.. يا ألله، ناجي وهو في ملكوت الله ما زال يُحيي ما مات من قلبي:

“عمي نجيب الزامل،
أنا اسمي محمود النجار، عمري تسعة عشر عاما، أحد قرائك في فلسطين. أحببتُ سلسلة مقالاتك حول السعادة (وهي مقالاتي الرمضانية لهذا العام في جريدة “اليوم”) وأثارت فيّ الذكريات، فوددتُ مشاركتكَ قصتي القصيرة..
عندما سرق الأعداءُ بلدي، سرقوا مني أشياءَ كثيرة .سرقوا بيتَ طفولتي الذي أحببته، سرقوا روح أبي المناضل. وسرقوا مني رجليَّ القويتين حين أتلفوهما حتى وجَب بترهما، وبالثالثة عشرة صرتُ.. بلا رِجلـَيـْن.
لقد أصبحتُ مشحونا بالغضب المقهور والمظلوم والثائر، حزينا لأنني لم أعد أُعْرَفُ إلا بعلامةِ نقصي. “من؟ محمود ؟ هل تقصد ذلك الفتى بنصف جسد ؟”، وتمر الأيامُ ثقيلة على قلبي، حتى أتى اليومُ الذي اكتشفتُ فيه مدوّنةً إلكترونية صاحبها معوقٌ موهوبٌ يُدعى.. “ناجي”.
راسلتُ “ناجي” طامعاً بالتعارف، أو طامعاً بالمواساةِ من شريكٍ لي في همّ الإعاقة ويفتح لي “الأستاذ” صدرَه، ويُدخلني قلبه من الرسالة الأولى. أقول “الأستاذ” لأنني أحببتُ موضع التلميذ بين يديه منذ الحرف الأول، ولأنني كنت بانتظارِ رسائلِه اليومية، أنتظر درساً جديداً في السعادة، وأعجب لهذا العظيم الذي يحوّل كل سوءٍ في حالِهِ إلى نِعمة، وكل حزنٍ في قلبه إلى نافذةٍ للفرح..
كيف يكون ناجي إيجابياً لهذه الدرجة وهو يخبرني أنه يفضّل الكرسي المتحرك اليدوي على الكهربائي، لأن عضلات ذراعيه صارت أقوى، وأن هذا التمرين يفوت الكثير من الأصحاء، ويخبرني كيف كان يشعر بحلاوة الانتصار حين يكون قـَطـْعُ الشارعِ واعتلاءُ الدرج وتجاوز العتبات تحدياً له ولدواليب كرسيه، فيحوّل مشاعرَ البغض تجاه كرسيي المتحرك إلى محبةٍ وسعادة لا نظير لهما، يحوّل مشهدَ العجز التراجيدي إلى مشهدٍ كوميديٍ ساخر، ويقول لي: “عليك ألا تبالي بنظراتِ الشفقة التي يوزعونها حولك، فهم في الحقيقة يحسدونك، واسمح لي أن أكون أكثر الحاسدين لك(!) فأنت بلا رجلين، ولا تحمل مثل الجميع عبءَ شراء أزواج الأحذية والجوارب.. أما أنا فمضطرٌ إلى دخول محال الأحذية بكرسيي المتحرك، ومكافأة رجليّ المشلولتين جزاء كسلهما ورقودهما الأبدي بحذاءٍ جديد كل فترة! هه، هكذا يحكم القويُ الضعيف “!
أما حين أخبرته يوماً بأنه أسعد مني بالتأكيد لأن له جسداً كاملاً، وله رجلان كاملتان لا يفتقدهما كل صباح، جاءني منه عتابُ المحب: “السعادة في القلب يا محمود، وليست في الرجلين”. حين كان يؤلمني الناسُ بإطلاق الأحكام الظالمة علي، وحين كان يصيب ناجي نفس الألم كنا نقرأ معاً كلمات جبران التي كتبها حين “وُلدت كآبتـُه، وماتت مسرّته” ونذرف دموعَ التأثر معاً، ثم كان يسألني أن أعاهده برعاية سعادتي جيداً كي لا تموت كما ماتت مسرّة جبران..
علمني ناجي أن السعادةَ هي الرضا، وأنها استشعار القيمة أو إيجادها، وقد أوجدَ فيّ القيمة حين وهبني عشقَ القراءة، وعلّمني فنّ الكتابة، وأعطاني فرصَ التحاور العلمي والأدبي والفلسفي معه، حتى أنساني رجليّ المفقودتين، وزرع في عقلي “القيمة الحقيقية”.
لم أعلم بأن ذلك الشابَ الذي يراسلني، ذلك الأستاذ المتفائل والباسم والسعيد كان أكثرعجزاً جسدياً مني إلا حين جاءت مقالاتك في الصحف، وعلمت منها بأنه كان “أخرس” كذلك، ولم أكد أصدّق . فقد كان “يتغنى” لي بسعادةٍ جبارة ليلَ نهار، أستاذي ناجي هو نجمي المضيء. وهو معلّمي الأول في السعادة..
و اليوم في الثالث والعشرين من شهر رمضان المبارك، وفي الذكرى السنوية الأولى لرحيل ناجي إلى السماء، أهديه سعادتي التي خلقها في روحي من العدم.. السعادة الأبدية إن شاء الله”.
من: تلميذ ناجي، السعيد على كرسيه المتحرك:
محمود النجار
*ملاحظة: ربما يجب أن أخبرك بأننا قد قررنا “أصدقاء ناجي” وعائلته تقديم هدية متواضعة لحضرتك في الذكرى السنوية لرحيل ناجي، لكن عائلة ناجي تقيم في المانيا لعلاج والدهم المريض منذ وفاة ابنهم وحتى الآن ولم يتم لنا التوفيق الكامل في إتمام تلك الهدية حتى اللحظة، لأننا نريدها بشكلٍ مثالي .أريد أن أشكرك بشدة على وقفتك العظيمة مع ناجي، وأعتذر منك بشدة أيضاً لأنه شكر متأخر، أما ما يخفف عنا جلد الضمير، فهو كون الدعاء لحضرتك الوِرْدَ اليومي لنا جميعاً طيلة هذا العام”.
يا بني يا محمود، أنت أحلى وأثمن وأجمل هدية.. ورحمك الله يا ناجي يا قبساً نورانيا باقيا.

**

إليك ناجي..

أذكر أني كتبت لك رسائل كثيرة لكنها لم تصل..أحياناً ولمّا أضعف من مجابهة الحياة وحدي..أعود لما كتبت لأستقي منك الكثير..قبل أيام فقط كنت أقرأك..وددتك فقط لو أصبحت صديقا..وتعلمت منك كل ماينقصني..أذكر أنّه كان وقع رحيلك ألمٌ لايُضاهى..كنت أراك باسماً في السماء..أشعر بك..رغم عدم معرفتي بك وجهلك أنت بي..

أنا أفتقدك أيضاً كما محمود..كما أستاذك الكريم..أذكرك فأدعو لك..

علمتني روحك الطاهرة..أنّ الحياة تبدو أكثر جمالاً..كلما زادت عقباتها..ومهما أدمانا شوكها..

لم تكن معاقاً ياناجي..نحن من كنا..

اللهم ارحمه..وأسكنه فسيح جنانك..اللهم تقبله عندك قبولاً حسناً..آمين رب العالمين.

**

واليك أنت..

أيها الإنسان..الذي يكتب فنشعر أن أرواحنا تمتزج بفيض مشاعرٍ تختزنها كلماتك..

إليك إنساناً ومعلماً..تسقينا من طهر قلبك..

أتعلم كم غيرت فينا..

إليك أنت كاتباً..نحن نحترمك..ونحترم ماتكتب..كما تحترمنا..وتحترم عقولنا أستاذ نجيب..

كل الدعاء لك..حفظك الله أنت ومن تحب.

**

ملاحظة..للتواصل مع محمود النجار..البطل السعيد

mn_p1@hotmail.com

**مدونة أيام..(محمد)..شكرا لك..أخذت الروابط من مدونتك.